يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
269
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
عائشة المطهرة رضي اللّه عنها وخوضه مع أهل الإفك في شأنها ، فلما أنزل اللّه تعالى : وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ النور : 22 ] قال : بلى واللّه إني لأحب أن يغفر اللّه لي ، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه ، وعفا وصفح رضي اللّه عنه . فبمثل هذه الأخلاق ينبغي أن يقتدى وبهدي هذا الصديق يصلح أن يهتدى مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي [ الأعراف : 178 ] . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير . وقد فعل النبي صلى اللّه عليه وسلم ذلك بنفسه ، وقال : لأن يلج أحدكم بيمينه أتم له عند اللّه من أن يعطي الكفارة التي وجبت عليه . وفي مثل هذا أنزل اللّه تعالى : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ البقرة : 224 ] . نسأل اللّه تعالى التوفيق إلى سواء الطريق . وتقدّم : ما ألوته حلاوة . قال هذا رجل لعمر رضي اللّه عنه ، عطش يوما فاستسقى ماء ، فأعطاه رجل إداوة فيها ماء فنبذ فيها تمرات فلما قربه عمر من فيه وجد الماء حلوا باردا فأمسك وقال : أوه . فقال الرجل : واللّه ما ألوته حلاوة يا أمير المؤمنين . فقال عمر : ذلك الذي منعني ، ويحك لولا الآخرة لشاركناكم في عيشكم . وهذا شبيه بحديثه الآخر أنه قال : لو شئت لدعوت بصلاء وصناب وصلائق وكراكر وأسنمة . وفي حديث آخر : لو شئت أن يدهمق لي لفعلت ، ولكن اللّه عاب قوما فقال : أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها [ الأحقاف : 20 ] خرجه أبو عبيد رحمه اللّه . وقال عن أبي عمرو : الصلاء : الشواء ، والصناب : الخردل . والصلائق : ما يصلق من البقول وغيرها وهو بالسين . وقال غير أبي عمرو : الصلائق بالصاد : الخبز الرقيق ، والكراكر والأسنمة معروفة . انتهى كلامه . وكان عمر رضي اللّه عنه يشدد على نفسه كثيرا وقد تقدم من شدته في هذا الكتاب كثير وأزيدك هنا أيضا . أتى يوما رضي اللّه عنه بشربة من ماء شيب بعسل فلما علم بذلك قال : اعزلوا عني حسابها ، وتركه . وهيأ له خالد بن الوليد رضي اللّه عنه طعاما . فقال عمر : هذا لنا فما لفقراء المهاجرين الذين ماتوا ولم يشبعوا من خبز الشعير ؟ . قال خالد : لهم الجنة يا أمير المؤمنين . فقال عمر : لئن فازوا بالجنة وكان حظنا من الدنيا فقد باينونا بونا مبينا ؛ رضي اللّه عنه .